جامعة إفريقيا العالميه : مسيرة عامرة بالعطاء

د. اسامة ميرغني راشد

منذ ستينيات القرن الماضي لم نكن حينها قد أتينا إلي الدنيا ولدت مؤسسة متواضعه في بنيانها كبيرة في فكرتها رصينة في رسالتها قام عليها نفر كريم من أهل هذا البلد الطيب المضياف ، نظروا في بعض من أبناء أفريقيا وهم يقطعون ألآف الأميال متجهين صوب أرض الحرمين الشريفين بغية الحج والعمره وكان هولاء عندما يصلون إلي السودان يضعون رحالهم ويستريحون من عناء السفر فالوصول إلي أمدرمان كان يعني لهم أنهم على مقربة من الهدف السامي والنبيل وأنهم قاب قوسين أو أدنى من الوصول ليس لقرب المكان فقط ولكن لتلك الوجوه الوضيئة التي تستقبلهم بترحاب وحب كبير ولصوت الآذان في مسامعهم دون خوف أو وجل بل لرؤيتهم تلك البيوت المفتوحه أمامهم والتي قدمت لهم الطعام والأمان .
إن أولئك النفر الكريم من أبناء هذا السودان نظروا في وجوه القادمين وقرروا حينها أن الحاجة لهولاء هي بسط دارا للتعليم لأبناءهم وليس طعام ولا كساء لأن الطعام والكساء مؤمن بفطرة وطبيعة أهل السودان وكرمهم المعروف . فولد حينها المعهد الاسلامي الافريقي في العام 1966م كتجربة فريدة في التعليم العام .
ولكن وعلى حين ثورة ما أغلق المعهد ولكن ظلت الفكرة والحادبين عليها يبذلون الجهد بهدوء حتى كللت المساعي ببزوغ فجر المركز الإسلامي الافريقي ، ولما كان أصحاب الفكرة حاضرين إستصحبوا التجربة السابقة وعرفوا أن أبناء أفريقيا وجهتهم الأراضي المقدسة وأن بلاد السودان معبرهم ومأمنهم للوصول والمكان الوحيد الذي يشبه تشوقهم تشوق أهله للوصول إلي مكه المكرمه والمدينه المنوره ، فلما عرف أصحاب التجربة ذلك كانت وجهتهم إلي هناك إلي أهل بلاد الحرمين الشريفين ليشاركوا أهل الفكرة الأجر والثواب فأرسل النميري رحمه الله وفده ذاك إلي المملكة العربية السعودية لتعلن عن موافقتها للمشاركة ويمضي الوفد إلي بقية البلدان العربية لتمضي في ركب المملكة العربية السعودية كل من الإمارات والكويت ومصر والبحرين والمغرب وليبيا ويتم الإعلان عن تأسيس المركز الاسلامي الافريقي هنا في الخرطوم في سبعينيات القرن الماضي في واحدة من أنجح وأنجع الشراكات العربية والإسلامية ليصبح المركز الإسلامي الإفريقي أحد أهم المنارات العلمية في إفريقيا لتمضي مسيرة مباركه تخرج منها جمع من الناس إنتشروا في ربوع إفريقيا يصنعون واقعا جديدا لبلادهم ولأهلهم واقع قائم على البناء والإعمار والدعوة إلي الله بالحسنى دون من أو أذى .
ولكن مرة إخرى وعلى حين غفلة تعرض المركز الإسلامي الإفريقي لعثرة كادت أن تؤدي به إلي التوقف ففي مطلع التسعينات وعلى خلفية حرب الخليج الأولى وموقف السودان حينها توقف أعضاء مجلس الأمناء عن دعم المركز الإسلامي الإفريقي ولكن ولأن أصحاب الفكرة ومن إستلم الراية بعدهم كانوا قريبين كافحوا وصمدوا حينها لتلك العاصفه برغم توقف الدعم العربي بالكامل ولكن ظل أولئك النفر ممسكين بجمر قضيتهم فصدر قرار ترفيع المركز الإسلامي الإفريقي إلي جامعة إفريقيا العالمية مع الإحتفاظ بل وإنتقال كافة الحصانات والإمتيازات وما كفلته إتفاقية المقر بالكامل إلي جامعة إفريقيا العالمية والإحتفاظ بوضعيتها كمنظمة دولية مقرها السودان وبكافة صلاحيات مجلس الأمناء وترك الباب مفتوحا لهم للعوده دون قيد أو شرط .
وتدرجت الجامعه في سلم الترقي والتقدم بفضل صبر العاملين فيها وإيمانهم الراسخ بأهمية هذا المشروع حتى مضت الجامعه في مسيرتها ورويدا رويدا عاد أعضاء مجلس الأمناء لدعم الجامعه ومساندتها حتى خرجت أكثر قوة وإذدهارا بل أنضم إليهم نفر كريم من نيجيريا ويوغندا وتركيا . وهكذا مضت المسيرة من مؤسسة متواضعه للتعليم العام إلي مؤسسة جامعية يشار إليها بالبنان تمثل بصمة سودانية بإمتياز فهي وبرغم كونها شراكة ناجحة بين أبناء بلدان عربية وإسلامية إلا أنها غرس سوداني أصيل وثمار أينعت في ربوع إفريقيا وآسيا وبلاد الفرنجة رومانيا وفرنسا وغيرها .
التحية هنا لازمه لجيل قام ببناء هذه المؤسسه وظل حارسا ووفيا لها برغم كل العواصف التي كادت أن تعصف بها لولا لطف الله ومن ثم حكمة هولاء النفر الكريم التحية للبروفيسور الطيب زين العابدين الذي برغم ظروف المرض الصعبه إلا انه وهو يتوكأ على عصاه وكتف أقرانه ظل ينافح عن مشروع ترعرعت بعض لبناته في مكتبه بجامعة الخرطوم الجميله ومستحيله ، ثم التحيه للدكتور ابراهيم أبو عباة ذلك السعودي الجنسية سوداني الهوى وأول سعودي يصبح مديرا للجامعه ومن بعده الدكتور على اليحي ومن ثم التحية للبروفيسور عبد الرحيم على بيت الحكمة والهدوء والصمت المتكلم باكثر من الكلام ثم التحية والتقدير للبروفيسور عمر السماني والذي وضع الجامعه في مسار جديد وأحدث نقلة نوعية سارت عليها الجامعه وتدرجت في مسار التقدم ثم التحية والتقدير للبروفيسور حسن مكي صاحب الأفكار المضيئة برغم إختلاف البعض معها وهو من الذين قادوا الحوار بهدوء لتعبر الجامعه من نفق كاد أن يظلم عليها ويغلق في نهايته فأدار بحكمة وهدوء رغبة التغيير ومعادلة المحافظة على الجامعه فنجح وعبرت الجامعه .
ثم أن البروفيسور كمال محمد عبيد ستكون شهادتي في حقه مجروحه فأنا من تربى في مدرسته ووصفت بأسمه ولكن ألا يكفي الرجل أنه ترجل حين قال تراني أتمثل أم الرضيع التي تركت أبنها لمن إدعته حفاظا عليه
سيذكر التاريخ ذلك وسيسجل ما جرى .
ثم قيض الله للجامعه رجل رشيد قبل التكليف برغم صعوبة الظرف الماثل ولكنه رأى في ما قال وقد صدق أن هناك مشروع ناجح وتجربة فريدة ومؤسسة ما كان ليعرفها قبل أن تدفع به الأقدار في العام 2017 إليها ليؤسس قسما للآثار بكلية الآداب .
لقد لمسنا في البروفيسور يوسف مختار الأمين والذي كلفته معالي وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي بعد تشاور واسع أدارته بصبر شديد لمسنا فيه صدقا ورغبة في إضافة نجاح جديد للجامعه ونحسبه أهل لذلك فسيرته سبقت قدومه وحديثه لنا أكد ما جاء في سيرته ومطمئنون لعبارته التي قالها أنه مصمم على العمل لمصلحة الجامعه .
تحية مستحقة للبروفيسور سيد حامد حريز وللبروفيسور محمد أحمد مكين وللدكتور عمر العادل ولكثيرين صبروا وصابروا حتى عبرت الجامعه إلي بر الأمان .
سنظل جنودا لهذه المؤسسه الشامخه ذات العز الباذخ نبذل ما في وسعنا دون نظر إلي مغنم أو حظ نفس نسير على ذات درب أولئك النفر السابقين واللاحقين الذين تركوا لنا بنيانا مرصوص بالبذل والعطاء والإخلاص .
وتمضي الجامعه بحول الله وقوته منارة تعليمية يذيع صيتها بالعلم والمعرفة النافعة للناس جميعا .

د.أسامه ميرغني راشد
جامعة إفريقيا العالمية
25 فبراير 2020م