دبلوماسية الدكتوراه الفخرية.. السفير علي بن حسن الحمادي نموذجاً

د. محمد خليفة صديق ـ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية

نزل خبر اختيار جامعة إفريقيا العالمية للسفير علي بن حسن الحمادي سفير دولة قطر بالسودان في الفترة من 2003 – 2012م لنيل الدكتوراه الفخرية في الآداب، بردا وسلاما على السودانيين وغيرهم من عارفي فضل السفير الحمادي، وقد فرح الكثيرون بهذا التكريم المستحق للرجل الذي جعل من السودان وطنا ثانيا له، وظل يهتم بقضايا السودان في كل المحافل، وخلال فترة وجوده بالسودان قدم الكثير من المبادرات والأنشطة التي تخدم هذا البلد، ومنها على سبيل المثال الدور القطري في حل مشكلة دارفور والذي مازال يواصل فيه عبر عمله أمينا عاما للهلال الأحمر القطري، وفي عهده زار أمير قطر السودان زيارة مشهودة، وفي عهده بدأ المشروع السوداني القطري للآثار والذي مازال السودان يجني ثماره الباهرة، وفي عهده بدأت الكثير من الاستثمارات والمشروعات القطرية بالسودان، وعبر أسرته آل الحمادي أيضا شيّد السفير الحمادي عددا من المساجد بالسودان منها مسجد الدوحة بالمنشية، ومسجد الرياض جوار قناة الشروق، وغيرها كثير.

ولمن لا يعرفون السفير الحمادي فهو حاصل على درجة الليسانس من جامعة الاسكندرية عام 1976م، وله عدة دورات في مجال العمل الدبلوماسي والقنصلي والمراسمي بوزارة الخارجية ، ولديه مشاركات عدة في مؤتمرات وندوات عربية وإسلامية وإقليمية ودولية، وله كتاب بعنوان: في محافل الدبلوماسية فكراً وتجربةً، كما أنه عضو جمعية مؤرخي دول مجلس التعاون الخليجي، وكان سفيرا لبلاده في عدة دول من بينها السودان، وله تجارب عديد في العمل الإنساني، حيث أنه يرى أن العمل الدبلوماسي يسير جنباً إلى جنب والعمل الإنساني.

كان السفير الحمادي رجلا استثنائيا، فكثير من السفراء المعتمدين لدى بلادهم بالسودان يمضون سنواتهم الأربع ويغادرون دون أن يذكرهم أحد، وأحياناً يخشون من خلق أي علاقات صداقة عادية أو لمصلحة بلادهم، ومعروف أن السفير في محطته الخارجية تعول بلاده عليه في خلق علاقات مميزة وإعمارها إن كانت هناك حالات من الجذب والتوتر، ولكن السفير الحمادي كان غير هذا الصنف، فقد قام ببناء علاقة راسخة مع جميع فئات المجتمع السوداني قامت على المحبة والأخوة الصادقة.

تميز السفير بأنه كان يكرم ضيوفه بنفسه، يقدم لهذا ولذاك، ويجلس هذا هنا وهذا هناك، وذلك في حفلات الاستقبال بمقر إقامته بالمنشية، وكان له ود خاص مع قبيلة الصحفيين، وقد وصفه أحد الزملاء وقتها بأنه سفير فوق العادة، وقد كان الحمادي فعلاً سفيراً فوق العادة، فمنذ أن كان سفيراً لبلاده كانت داره مليئة بالضيوف، وكما يقول أهلنا فهو (شيخ عرب)، جواد وكريم، ليس متكبراً أو به أنفة أو تعالي، كان كل السفراء كانوا يتجمعون عنده، لذلك ترك بعد إنتهاء فترة عمله أثرا بالغا في نفوس السودانيين وغيرهم مما عاصروه أثناء وجوده سفيرا لقطر بالسودان.

ظل “الحمادي” سفيراً لبلاده بالخرطوم لفترة امتدت ثماني سنوات متواصلة، عرف فيها السودان عن قرب وعرف الشعب السوداني معرفة حقيقية، وأصبح كأنه واحداً منهم.. كان مهتماً بالعلاقات الثنائية بين البلدين وجذب عدداً كبيراً من المستثمرين القطريين للسودان، كان حريصاً أن يأتي المستثمر القطري للسودان، كان عاشقاً متيما للسودان وشعبه، واستطاع الحمادي بناء علاقات متينة لبلاده بالسودان، ومن حبه للسودان دخل في مشروع استثماري زراعي لأنه يعرف السودان معرفة حقيقية أرضه وشعبه، فبدأ مشروعه الاستثماري والآن أينع ونما وبارك الله له فيه.

وظل الحمادي يحمل هم السودان بعد مغادرته، ويلتقي السودانيين الذين يزورون قطر، ويسأل عن معارفه وعن ما يتعلق بالسودان، وكان لجامعة إفريقيا العالمية نصيبا مقدرا من اهتماماته، لذا كان من حيثيات منحه الدكتوراه الفخرية من الجامعة أنها جاءت تقديراً وعرفاناً لما نالته الجامعة من دعم واهتمام من قبل السفير علي بن حسن الحمادي سفير دولة قطر السابق لدي السودان تحقيقاً لرسالتها وأهدافها.

وقد كتب الحمادي كلمة مؤثرة بمناسبة إنتهاء فترة عمله بالسودان، قال فيها:" عندما ازفت ساعة الرحيل عن هذه الارض الطيبة وشعبها الخلوق السمح الكريم رأيت أنه لابد لي أن اسطر بعض الكلمات التي تجيش في صدري وفي خاطري تجاه كل من التقيته وتعرفت عليه سواء كان كبيراً في السن او صغيراً مسؤولاً في المصالح الحكومية او خارجها او في القطاع الخاص؛ فبعد اكثر من ثماني سنوات قضيتها في هذا البلد الشقيق فإن الواجب يحتم عليّ ان اذكر بكل صدق واخلاص مشاعري الشخصية تجاه كل من التقيته من ابناء السودان الحبيب او من ابناء الامة العربية او الاسلامية او حتى من الاصدقاء الاجانب، وحيث انني لم استطع أن اودع كل من عرفته واحببته واحترمته فإنني احاول عبر هذه الاسطر والكلمات ان انقل محبتي وتقديري واحترامي لكل فرد وكل اسرة وكل بيت استقبلني واسرتي بالحب والاحترام والكرم خلال السنوات التي قضيتها في بلدي الحبيب الثاني السودان وبين اخوتي ابناء الشعب السوداني".

وقد وجه في تلك الكلمة تحية خاصة للصحافة وأجهزة الإعلام السودانية التي تربطني بها علاقات اخوية تتصف بالود والمحبة، وقال أيضا:" اتمنى من الله العلي القدير ان يجمعني بأبناء هذه الارض الطيبة على الخير دائماً، وان يكون السودان أرض أمن وأمان ورخاء واستقرار وان يحفظ الله هذا البلد الشقيق من كل مكروه... وان تتوثق العلاقات بين قطر والسودان وتزداد عمقاً بقيادة قائدي البلدين الشقيقين".

في حفل تكريم السفير الحمادي بالدكتوراه الفخرية بجامعة إفريقيا العالمية حرص الكثير من الحضور والطلاب الأفارقة وغيرهم على إلتقاط صور تذكارية مع السفير الذي كان يقبل ذلك بأريحية بالغة، وابتسامة ساطعة، مما يدل على نبله ونقاء سريرته.

نرجو للسفير الحمادي إقامة طيبة بين أهله في وطنه الثاني السودان هذه الأيام، ونتطلع لأن نرى انجازات عظيمة له في عمله أمينا عاما للهلال الأحمر القطري، تلك المنظمة العريقة التي تأسست في مارس عام 1978م كأول منظمة خيرية تطوعية في قطر، بهدف مساعدة وتمكين الأفراد والمجتمعات الضعيفة دون تحيز أو تمييز، والهلال الأحمر القطري عضو فاعل في الحركة الإنسانية الدولية التي تشمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وشبكة من الجمعيات الوطنية في 190 بلداً حول العالم، وقد ظل طوال تاريخه العريق يمارس دوره المساند لدولة قطر في جهودها الإنسانية، منطلقا من استراتيجيته التي تقول:"نفوس آمنة.. وكرامة مصونة".